
منذ ٢٠١٣، وفي كل رمضان، تأسر كاتبة السيناريو المصرية الرائدة مريم نعوم الجمهور بحبكاتها الجريئة التي تكسر الحدود، في صناعة ترى أن الأعمال النسوية الجذرية لا يمكن أن تحقق نجاحًا جماهيريًا واسعًا. وتمتلئ أعمالها بشخصيات نسائية مركّبة وواقعية، مليئة بالنقائص مثل البشر، وهي شخصيات ما تزال نادرة إلى حد كبير على شاشة التلفزيون العربي.
في عام ٢٠٢٠، تعاونت مريم نعوم مع المخرجة المصرية البارزة كاملة أبو ذكري في فيلم جديد بعنوان Taht El-Mazala (Under the Umbrella, 1969)، وهو مبني على مجموعة قصص قصيرة للكاتب العالمي نجيب محفوظ. ومن اللافت أن هذا الفيلم ليس التعاون الأول بينهما، إلا أن المشروع متوقع أن يكون ليس فقط من الأعمال الجماهيرية، بل أيضًا “واحدًا من أضخم الإنتاجات السينمائية” في العالم العربي، لا سيما أن المختارات تضم ٥ قصص قصيرة مستقلة ستظهر داخل الفيلم، من بينها القصة الرئيسية – “Under the Umbrella” – التي سُمِّيت المجموعة على اسمها. وإلى جانب نصوصها اللافتة، تُعد نعوم مؤسسة Sard Company for Drama Writing، التي تنظم من خلالها ورش كتابة السيناريو، وتشرف على أعمال كتّاب السيناريو الناشئين، وتمنحهم فرصة تطوير نصوصهم وتجهيزها لصناعة السينما.
ويُعد Under the Umbrella الفيلم الثالث لنعوم بعد أعمالها المعروفة، ومنها Wahed-Sefr (One –Zero) في ٢٠٠٩، والعمل الناتج عن الورشة Bein Bahrain (Between Two Seas) في ٢٠١٩. كما أسهمت في الدراما التلفزيونية المصرية بكتابة ١٠ أعمال، كتبت بعضَها بمفردها، بينما كان بعضها الآخر نتاجًا لورشة كتابة السيناريو. وقد ألهم هذا النجاح الكثير من كتّاب التلفزيون الآخرين للسير على النهج نفسه.
إليكُم مقابلتنا الكاملة معها.
مجلة Women of Egypt: أيّهما تجدينه أكثر تحدّيًا: كتابة سيناريو أصلي، أم الكتابة المشتركة، أم الاقتباس؟
مريم نعوم: لكل طريقة تحدياتها الخاصة. فكتابة سيناريو أصلي بمفردك تتطلب وقتًا أطول للبحث ودراسة الموضوع جيدًا قبل الكتابة، وهو وقت لا يكون متاحًا دائمًا. وهذا يمنع كتّاب السيناريو من كتابة عدة مسودات إلى أن يصلوا إلى النسخة النهائية. لكن الكتابة الجماعية عبر الورش تساعد على تحديد الأدوار داخل فريق الكتابة، وتوفر فرصة لكتابة مسودات متعددة. ومع ذلك، يطرح هذا تحديًا آخر، وهو مراجعة كل كلمة مكتوبة لضمان تماسك السيناريو، وضمان سلاسة تدفّق الحوار.
أما اقتباس الأعمال الأدبية فيمثل تحديًا ثالثًا. فهو يتطلب قراءة متعمقة للنصوص الأدبية وفهمًا حقيقيًا لوجهة نظر المؤلف من أجل الحفاظ على صوته/صوتها والحفاظ على روح العمل الأدبي. كما يتطلب الاقتباس الكثير من الإضافة والحذف والتطوير، لأن الأعمال الأدبية كوسيط تختلف عن الأفلام والمسلسلات التي تعتمد على الصراعات الخارجية بدرجة أكبر بكثير من الصراعات الداخلية التي تعتمد عليها الأعمال الأدبية.
WoE: إذا قارنا كتابة الأفلام بكتابة المسلسلات التلفزيونية، أيّهما ترين أنه أكثر تحرّرًا، ولماذا؟
M.N.: إذا تحدثنا عن الحرية من منظور الرقابة، فالأفلام أكثر تحرّرًا. لكن عندما يتعلق الأمر بالحرية الدرامية، أعتقد أن المسلسلات التلفزيونية تمتلك ميزة كبيرة: القدرة على تطوير الشخصيات ومتابعة رحلتها على مدى زمني أطول. وهذا يدعو الجمهور إلى التماهي مع شخصيات المسلسلات مقارنةً بشخصيات الأفلام.
WoE: على ماذا تعملين حاليًا أيضًا؟
M.N.: بالتعاون مع Sard Company for Drama Writing، نعمل على عدة مسلسلات تلفزيونية. بعضها تم بيعه بالفعل لشركات إنتاج، والبعض الآخر لا يزال في مرحلة التطوير ليُقدَّم إلى شركات الإنتاج والمنصات الرقمية. أما أنا، فأعمل حاليًا على سيناريو فيلم Under the Umbrella.
WoE: هل تفكرين في كتابة الروايات أيضًا؟
M.N.: لا، لم أفكر يومًا في كتابة الروايات. أعتقد أنني لا أملك موهبة الكتابة الأدبية، فهي تتطلب موهبة خاصة لست متأكدة أنني أمتلكها.
WoE: تعاونتِ كثيرًا مع المخرجة كاملة أبو ذكري، ثم أخذتما فترة توقف، ثم عدتما للعمل معًا مرة أخرى. ما الذي جذبكما للعودة للتعاون؟
M.N.: أعتقد أنها “الكيمياء” كما يسميها البعض. بيننا قدر كبير من التفاهم الفني الذي يجعلنا نكرر تجربة العمل معًا مرة بعد مرة.
WoE: هل تفكرين في خوض تجربة الإخراج السينمائي و/أو الإنتاج؟
M.N.: لا، لم أفكر في أيٍّ منهما. كتابة السيناريو هي ما أحبه أكثر؛ وأسعى دائمًا إلى تعلّم المزيد لتحسين كتابتي، وكذلك المواد التي نكتبها من خلال Sard Company.
WoE: ما الذي شجعك على كتابة الأفلام؟
M.N.: لطالما أحببت مشاهدة الأفلام وقراءة الكتب منذ الطفولة. كنت أبحث عن أفلام من مختلف الأنواع واللغات، وأشاهدها بشغف كبير. وعندما التحقت بالجامعة اكتشفت أن ما كنت أظنه مجرد هواية إلى جانب دراستي كان في الحقيقة المسار المهني الذي أريد أن أسلكه. تركت دراسة الاقتصاد في فرنسا وعدت إلى مصر لدراسة كتابة السيناريو في المعهد العالي للسينما.
WoE: هل كتبتِ أي سيناريوهات قبل Wahed-Sefr؟
M.N.: نعم، كتبت عدة أفلام قصيرة ومسلسلات للأطفال، وكذلك الاقتباس العربي لرسوم ديزني المتحركة.
WoE: ما الأفلام و/أو القصص التي ألهمت شغفك الإبداعي أثناء نشأتك؟
M.N.: من الصعب الإجابة عن هذا السؤال. قرأت مئات الكتب وشاهدت مئات الأفلام عندما كنت مراهقة وفي الجامعة. كانت مكتبة والدي ضخمة وتضم كتبًا من جميع الأنواع. بدأت بقراءة الكلاسيكيات الأدبية المصرية والعالمية في سن مبكرة جدًا، حتى وصلت إلى مرحلة كنت أقرأ فيها كل ما يقع تحت يدي. لكن الفيلمين اللذين كانا وراء قراري بترك دراستي في باريس والعودة إلى مصر لدراسة السينما هما Ya Mehallabeya Ya للمخرج شريف عرفة—وقد شاهدته عندما عُرض في باريس—وفيلم Underground للمخرج أمير كوستوريكا.
WoE: في سوق سينمائي شديد المنافسة اليوم، ما أفضل طريقة لكاتب غير معروف للترويج لسيناريوهاته؟
م.ن.: للأسف، الوضع يزداد صعوبة يومًا بعد يوم، إذ يتم إنتاج عدد أقل من الأفلام بينما يزداد عدد الكتّاب. كما أن تعلّم كتابة السيناريو لم يعد مقتصرًا على خريجي المعهد العالي للسينما. ويتطلب الأمر قدرًا من الحظ لكي يطّلع المخرجون أو المنتجون على أعمال كاتب موهوب غير معروف.
WoE: ما نصيحتك لكتّاب السيناريو الناشئين؟
M.N.: نصيحتي لهم هي أن يدرسوا كتابة السيناريو بشكل احترافي. فكتابة السيناريو ليست موهبة فقط، بل لها أسس يجب تعلمها لاغتنام فرصة جيدة للتميّز وسط العدد الكبير من الكتّاب الطموحين. وحتى اليوم ما زلت أتعلم، لأنها عملية لا تنتهي. وحتى كتّاب السيناريو المحترفون ينبغي أن يطوّروا أنفسهم باستمرار ليتمكنوا من مواكبة العالم من حولهم.
WoE: فيلم Wahed Sefr فيلم قائم على الشخصية. ما أهم جانب لصناعة الشخصيات بشكل احترافي؟
M.N.: الأمر كله يتعلّق بالتركيز على التفاصيل الخاصة بكل شخصية. بناء شخصية قوية يتطلب وعيًا بالعالم من حولنا كي تبدو الشخصية مُقنعة وذات مصداقية. القراءة في علم النفس — أو على الأقل استشارة طبيب/ة نفسي/ة — أمر مهم جدًا، لأن البُعد النفسي للشخصيات أساسي لإظهار دوافعها وصراعاتها.
كما أن تطوير الخلفية (Backstory) لكل شخصية مهم جدًا، إلى جانب تفاصيل كثيرة أخرى. لذلك أكرر دائمًا أن الدراسة والقراءة عن حرفة الكتابة أمران في غاية الأهمية.
WoE: عند كتابة سيناريو، ما الذي تجده الأصعب: البناء، أم الشخصية، أم الحوار؟
M.N.: يعتمد ذلك على جودة العمل، لكن الخبرة تقلّل التحديات تدريجيًا، خصوصًا في بناء الشخصيات وكتابة الحوار. ومع ذلك، يبقى التحدي الأساسي هو إيجاد حبكة مشوّقة تجعل الفيلم جديرًا بالمشاهدة. شخصيًا، تعتمد معظم أعمالي على الشخصية أكثر من اعتمادها على الحبكة، وهذا يشبه كثيرًا من المسلسلات القائمة على الشخصية حول العالم.
WoE: كم مسودة تحتاج لكتابة سيناريو؟
M.N.: الأمر يعتمد على الوقت المتاح. طالما لدي وقت، أستمر في تحسين المسودات مرة بعد مرة إلى أن يبدأ التصوير، ويُنتزع السيناريو من يدي كما تُنتزع ورقة الامتحان من الطالب عند انتهاء الوقت. في Wahed Sefr كتبت ثماني مسودات. أما في المسلسلات التلفزيونية فأكتب عادةً بحد أقصى ثلاث مسودات، لأن الوقت يكون محدودًا.
WoE: كيف تتغلب على انسداد الكتابة (Writer’s Block)؟
M.N.: عندما أواجه انسدادًا في الكتابة، أضع هذا العمل جانبًا وأنتقل إلى عمل آخر أسهل. وعندما يصفو ذهني، أعود مرة أخرى إلى عملي الأساسي.
WoE: كيف ترين تأثير مهرجاني أسوان والقاهرة الخاصين بالمرأة على النساء؟
M.N.: هذا النوع من المهرجانات موجود في أنحاء العالم، وكذلك في البلدان العربية. وهي تمنح فرصة لكثير من صانعات الأفلام لعرض أعمالهن، كما تتيح تقديم أفلام نسوية قد تكون فرصتها ضعيفة للوصول إلى الجمهور عبر مهرجانات أخرى.
WoE: ما الذي تتمنين رؤيته أكثر للنساء في صناعة السينما؟
M.N.: في ورش Sard نعمل على عدة موضوعات مرتبطة بقضايا النساء، لكننا نتعامل معها بحذر لأنها تتطلب قدرًا كبيرًا من البحث والدراسة قبل أن نبدأ الكتابة.
WoE: برأيك، ما الذي يحدّ من مشاركة النساء المصريات في صناعة السينما؟
M.N.: السينما والتلفزيون مجالان صعبان في كل مكان في العالم، وهذه الصعوبات تتضاعف للنساء والرجال العاملين في هذا المجال في مصر. فهم يعملون لساعات طويلة ومرهقة في بيئة تنافسية شرسة وغير عادلة. وما يزيد الأمر صعوبة على النساء أننا نعيش في مجتمع أبوي. مجال مثل مجالنا يحتاج إلى محاربات!



